الشيخ أحمد بن علي البوني
527
شمس المعارف الكبرى
فصل في اسمه تعالى النور بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن النور ، الظاهر الذي ظهر كل الظهور ، فإن الظاهر في نفسه المظهر لغيره سمي نورا ، ولما قابل الوجود بالعدم كان لا يشكل لظهور الوجود ، إذ لا ظلام أظلم من العدم ، وفي الوجود نور فائض على ذات الوجود من نور ذاتها وأسماء صفاتها وحقيقة أفعالها فهو نور السماوات والأرض إذ فيهن نوره على السماوات وما فيها . واعلم أن النور على قسمين : حسي ومعنوي ، والمحسوس نور البصر وقد أودع اللّه فيه الاعتبار كما أودع لذوي البصائر في أعين قلوبهم سر التدبير والاعتبار ، فيظهر على حاسة البصر ، وذلك سر اقتدار النور السائل نور العليم ، وهو الذي لا يقوم حقائق العالم إلا بسلوك المعلوم من أي جهة كان على أي نوع كان سلوكا عقليا أو شرعيا ، وحقيقة ظهور الحكمة وشهود العبودية كتنزيه الربوبية ، ونوره ينقسم إلى ثمانية أقسام ، نور القلب ونور الإيمان ونور النفس ونور الروح ، ونور العقل ونور السر ونور القلب ونور الكشف ، فهذه ثمانية أنوار ، ولكل نور من هذه الأنوار سر غير شيء إذ هي كلها حقائق عرشية ، ومنها سر الثمانية الذين يحملون العرش في قوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ وهم حاملون عرش الرحمن ، فنور القلب مستمد من نور الإيمان ، كما أن الإيمان من نور الصفات ، فمن فاض عليه النور الإيماني قبل التكاليف الشرعية والأوامر الشهودية ومنها لقوله والمنصرين وهم المتوسمون الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وإذا قابلت عيون قلوبهم النور الإيماني كشف اللّه لهم علم الملك جملة وتفصيلا ، ثم يدركون عالم تركيبهم وما أودع اللّه تعالى في أطوارهم ، فكل ذرة فيه على اختلاف أنواعها ، فيرون كل ذرة منها نورا في العين الحق ، وهي الحقيقة قائمة بنور من أنوار اللّه تعالى ، وهي نور إقامتها بنور الموصل إلى نور ، فهذا يقرب عنها حركة البعض والقرب من الأرض ، بل يرون باسمه النور احتراق الجدران كان احتراق النور الشمس ، وهذا يرى في قلبه وجسمه نورا ، ونور النفس من نور الروح ، فمن استقامت نفسه على التركيبة بالطاعة والطهارة من ظلمات الطبائع وكدورات العادات حتى يقابل نورها نور الروح من اللّه تعالى باستغراق الشهود في الجنة ، وهذا الذي يكشف اللّه له نفسه وروحه بنور من أنوار حقائق العلم الجبروتي الذي هو لطيفها من عالم الملك والملكوت يكفي في أسرار الروح والنفوس التي يغلب إلى عالم الآخرة ، ويشهد لطائف تصريف اللّه تعالى في الموجودات بأطوار الملائكة الكرام على اختلاف أنواعهم في صعود الكلم الطيب الذي هو ذكر اللّه تعالى من قوله : الذاكرين نور يطلع ، ومنه الحال والاستقرار ، ونور العقل من نور سر ، فمن استقام عقله على معرفته دعا ربه وخالقه ، وسقط من سواه حتى ينظر بوجه السر ، ويشاهد عجائب الملكوتيات ، وكيف ربط العالم علوية وسفلية ، وجزئيه وكليه بالكلمة الواحدة ، درج دون درج ، وحقيقة دون حقيقة ، فرآه على الجملة من حيث الكرم وعلى التفصيل من حيث الحكم ، ونور السر من نور القرآن ، فمن ظهر سره من ملاحظة الأعيان بتوسط الألوان ، والغنا عن الخلق الذي هو حد الأكوان بالحقيقة التي أبرزها اللّه تعالى في القرآن ، فيتلقى من أنوار التحقيق وحقائق المعارف وأنوار التجليات